البغدادي

159

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وقوله : « وأبغض من وضعت » . . . إلخ ، فيه تقديم وتأخير ، وأصله : وأبغض من وضعت لساني فيه إليّ معشر أذود عنهم ، أي : أبغض الأشياء إليّ أن أهجو معشري الذين يلزمني الذبّ عنهم ، فمن هنا نكرة موصوفة ، وصفته الجملة التي هي وضعت لساني فيه ، وقد فصل بينهما بقوله : « إليّ » وهو أجنبيّ منها . وهذا في الصفة أقرب منه في الصّلة . وقوله : « ولست بسائل » . . . إلخ ، كنى في البيت عن عفّته . يقول : لا أكلّم جارتي لأنّي أصونها عن الكلام . ويجوز أن يكون تعريضا للذي يهجوه ، أي : لا أغتنم الخلوة لجارات بيتي ، فأتطلّب غيبة رجالهنّ عنهنّ . وقوله : « ولست بصادر » . . . إلخ ، يقول : إذا دعاني الجار إلى بيته يكرمني ببرّه لا أصدر عن بيته ، والطمع في ماله بحاله ، كما يصدر العير عن الماء ، وقد غمّره الورود . والتّغمير « 1 » كالتصريد ، وهو شرب دون الريّ ، ومنه الغمر للقدح الصّغير . وقيل : في غمّره إنّه بمعنى أرواه من الغمر ، وهو الماء الكثير . فيكون المعنى : لا أتهالك على طعامه كالمنهوم الخسيس الهمّة ، لكنّني آكل أكلا كريما . والمعنى الأوّل أوجه . وقيل : معناه إنّي لا أصدر عن بيته ، ونفسي تدعوني إلى صاحبة البيت ، لأنّي رجعت مسرعا حين علمت بمكان جاري عنه « 2 » ، كما يفعل العير إذا أحسّ بالقانص . وقوله : « ولا ملق لذي الودعات » . . . إلخ ، « الودعة » : الخرزة تعلّق في عنق الصبيّ ، أي : لا أشغل الصّبيّ ذا الودعات بسوطي « 3 » ، وأنا أريد ريبته ، أي : ريبة أمّه . ويروى « 4 » : « وربّته أريد » وعلى هذا فالمراد أمّه لأنّها تربّه ، وتملك أمره . ويجوز أن يريد بذي الودعات : ابن أمة ، ويريد بربّته مولاته . وجملة : « ألاعبه » حال .

--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " والتغمر " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية وشرح الحماسة للتبريزي 1 / 210 . ( 2 ) بعده في شرح الحماسة للتبريزي : " رجعت مسرعا ، كما يفعل العير " . ( 3 ) في طبعة بولاق : " بصوطي " . بالصاد . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية وشرح الحماسة للأعلم 1 / 198 . ( 4 ) هي رواية الحماسة برواية الجواليقي ، وشرح الحماسة للأعلم الشنتمري .